|
على مدى عقود، ظلّ المشروع الصهيوني ينسج خيوطه بخطة طويلة الأمد. لم يكن الأمر مجرّد حدود ضيقة أو دولة صغيرة، بل رؤية عابرة للأجيال، تسمّى "إسرائيل الكبرى". في المدارس والمناهج، في البيوت والمجالس، كانوا يزرعون في أبنائهم أن الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات حقّهم التاريخي، وأن حياتهم ما هي إلا حلقة في سلسلة طويلة لحراسة هذا الوهم وتحقيقه.
لكن في الجهة الأخرى من الصراع، ثمة مشروع آخر، أعمق وأرسخ، هو مشروع الأمة الإسلامية. ليس مشروعًا من اختراع السياسيين أو نزوة من نزوات التاريخ، بل هو قدرٌ ممتد من أول يوم وحّد فيه الإسلام هذه الأمة تحت راية واحدة. عبر القرون، كان هذا المشروع يتغذى من الوحي، ويستمد قوته من العقيدة، ويثبت حضوره بالدماء والتضحيات في كل أرض وطأتها أقدام المسلمين.
إسرائيل الكبرى، في حقيقتها، مشروع يستند إلى الخوف والاغتصاب والتوسع بالقوة، مشروع يَعد أتباعه بوهم جغرافي محكوم بالزوال. بينما مشروع الأمة الإسلامية الكبرى مشروع إيماني، يقوم على رابطة العقيدة قبل رابطة الأرض، ويجعل الولاء لله ورسوله والمؤمنين هو الأساس الذي تبنى عليه وحدة الشعوب.
وهكذا، فإن الصراع لم يكن يومًا على أرضٍ فحسب، بل على هوية ومعنى ومستقبل. مشروع يقف على رمال السياسة المتحركة، ومشروع آخر ضارب في جذور الوحي والقدر. وبين هذين المشروعين يمضي التاريخ، ليشهد أيّهما سيبقى وأيهما سيزول.
في هذه النشرة نتكلم عن "إسرائيل الكبرى"، ذلك المشروع العقدي الصهيوني العابر للحدود، الذي يتوارثه قادتهم جيلًا بعد جيل، ونضعه في مقابل مشروع الأمة الإسلامية الكبرى، المشروع الأصيل الممتد من عقيدة ووحي، لا تحده حدود سايكس–بيكو ولا تقيده خرائط الاستعمار.
|