|
في صباحٍ مدرسيّ هادئ، طلبت المعلّمة من تلاميذها أن يكتبوا جملة تصف يومهم. جلست تتابع أوراقهم بفضولٍ وابتسامة، حتى وقعت عينها على ورقةٍ صغيرة كُتب فيها بخطّ طفولي متعرّج: «يومي كان فيري نايس!»
ابتسمت للحظة، ثم تسلّل إلى قلبها شعورٌ بالقلق. كانت الجملة بريئة المظهر، لكنها تحمل في طيّاتها معنىً مؤلمًا: أن الكلمات التي تُشكّل وعي الطفل لم تعد كلماتنا. أن ألسنتهم تنطق بغير ما تربّت عليه قلوبنا.
تأمّلت كيف أصبح «الفيري نايس» جزءًا من يوميات الأطفال، في المدرسة، وفي الإعلانات، وحتى في الكتب المصوّرة. وكيف تراجعت الفصحى شيئًا فشيئًا أمام لهجاتٍ عاميّة هجينة تتسلّل إلى التعليم والإعلام، حتى صار الطفل يعبّر عن نفسه بلغةٍ غريبة عن بيئته، لا تنتمي تمامًا إلى العربية ولا إلى غيرها.
في تلك اللحظة أدركت المعلّمة أن ما يتآكل ليس اللفظ وحده، بل الوعي نفسه. فالكلمة ليست مجرد صوتٍ نردّده، بل وعاء الفكر، ومفتاح الفهم، وجسر الانتماء. وحين تضيع الكلمة، تضيع المعاني التي تحفظ هوية الأمة.
ذلك المشهد البسيط -جملة مكتوبة بخطّ طفلةٍ صغيرة- كان كافيًا ليكشف أن معركة اللغة لا تُخاض في القواميس، بل في القلوب الصغيرة التي تتعلّم كيف تفكر، وكيف تنتمي، وكيف تعبّر عن نفسها في عالمٍ يزداد غربةً عن لغتها الأم.
|