|
كان باسم شابًا عاديًا، يحمل هاتفًا أكثر مما يحمل من أحلام واضحة. في ليلةٍ صامتة، نشر أول مقطعٍ له… ضحكة عابرة، فكرة خفيفة، ولا شيء يُذكر. لكن المفاجأة كانت صاخبة: أرقام تتصاعد، تعليقات تتكاثر، ورسائل تُخبره بأنه “بدأ الطريق”.
في الأيام التالية، تغيّر كل شيء. صار يومه يُقاس بعدد الإعجابات، ومزاجه يتقلّب مع صعود المشاهدات وهبوطها. لم يعد يسأل: “ماذا أريد؟” بل: “ماذا يريدون؟”. يراقب التعليقات أكثر مما يراقب نفسه، ويعيد تصوير اللحظة بدل أن يعيشها.
شيئًا فشيئًا، صار يضيف ما ليس منه، يبالغ، يقلّد، ويخاطر فقط ليبقى في الواجهة. أصدقاؤه القدامى ابتعدوا، ووقته صار مُلكًا لشاشة لا تشبع. كان يظن أنه يقترب من القمّة، لكنه في الحقيقة كان يبتعد عن ذاته.
في إحدى الليالي، نشر مقطعًا كغيره، لكنه لم يحصد ما اعتاد عليه. صمتٌ ثقيل، أرقام باردة، وتعليقات ناقدة. لأول مرة، شعر بالفراغ يملأ صدره. جلس وحده، يتأمل: متى أصبحتُ أسيرًا؟ ومتى صارت قيمتي رقمًا؟
أطفأ الهاتف. خرج إلى الشرفة. كان الهواء أبسط من كل شيء، وأصدق. أدرك حينها أن الطريق الذي سار فيه لم يكن طريقه، وأن البريق الذي لاح له كان فخًا ناعمًا.
|