|
كان حسن يعيش حياةً بسيطة مع زوجته وطفليه في بلدة صغيرة تُحصَّن أساسًا بالهدوء والإيمان. كان رمضان شهرًا من النور والقرآن، والصلاة تُملأ قلوبهم راحةً وطمأنينة.
لكن ذات صباحٍ، تغيّر كل شيء. جاء رجالٌ بزيّ رسمي، يدقّون الأبواب ويأخذون من يجدونهم، دون إنذار أو تفسير. أخذوا جارهم الملتحي رغم أنه لم يخالف أي قانون، إلا أنه في نظرهم دعا للصلاة في بيته. بعد ساعات دامت كدهر، عاد المكان صامتًا… كأن شيئًا لم يكن. حسن لم يجرؤ حتى على الحديث عن ما رآه.
في الأيام التالية، تغيرت حياة الأسرة: كاميراتٌ تُمطَر فوق رؤوسهم في الشوارع تراقب كل خطوة، وهواتفهم تُسلَّم تقاريرًا تُقيَّم بناءً على ما يصنّفونه سلوكًا “قابلًا للشك”. حتى الصلاة في البيت صارت سببًا لتسجيلك في قاعدة بياناتٍ ضخمة تُستخدم لإرسال دوريات المراقبة إليك، حسب ما كشفته تقارير دولية عن نظام رقابي واسع يعتمد على تتبع البيانات والملفات الشخصية لكل فرد.
وذات مساءٍ، بينما كانت العائلة مسكونة بالقلق، جاءت رسالة مختصرة على هاتف حسن: “توجّه إلى المركز غدًا.” لم يُخبروه بسبب النداء… سبب النداء كان اتهامًا بالإرهاب على أساس صلاة واحدة في المسجد قبل سنوات. وفي المعسكرات التي يسمّونها “مراكز تدريب” يُجمع الناس ويتعرضون لإعادة برمجة ما يسمّونه «إعادة تعليم»، بينما هي في الواقع احتجاز تعسفي بلا إجراءات قانونية واضحة ومعزولة عن العالم.
مرّت أيام في انتظار غيبته. لا أخبار من ابنهم، ولا زيارات، ولا رسائل… وكأن الكون قد ابتلع صوته. صمتٌ لم يُخلقه الظلام وحده، بل صمت القيود والرقابة والانتهاك.
في المساء، جلست زوجته عند الشرفة الصغيرة، تتلو دعاءها بصوت خافت:
“يا رب، إليك أشكو ضعفي ووحدتي وألم قلبي على زوجي الأسير، فكن له رحمةً ولنا فرجًا قريبًا”
ورغم الألم، تعلمت العائلة أن تبقى قلبًا قويًا، لا تنهار للصمت القسري، ولا تسمح للظلم أن يُبدّد نور الإيمان في أقوى لحظات المحنة.
|