|
خلال الأيام الماضية تابعت نقاشا على وسائل التواصل يتحدث طرفاه حول فكرة الطبقية وكيف أن الناس خُلقوا متفاوتين في الرزق، وبين من يقر الأمر لتبرير ثروات الأغنياء ومن يتفق مع هذه الحقيقة لكنه يشير إلى أن التفاوت حاصل لعوامل خارجية أخرى، كان هذا النقاش.
لم تطلع عليه؟! لا بأس، نقاش كآلاف غيره ليس ذا أهمية -خاصة مع ما يحدث لإخواننا في غزة- لكني توقفت مع هذه الفكرة متأملا، ألم يخبرنا الله سبحانه في أكثر من موضع عن حقيقة التفضيل وحكمته، في مثل قوله: {وهْوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم}، وقوله: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ}، حتى أن الكافرين لما برروا تكذيبهم بقولهم {لَوْلا نُزّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} يقصدون الوليد بن المُغيرة المخزومي من أهل مكة، أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي من أهل الطائف، كان الرد عليهم: {أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}. نعم التفاوت مقصود لحكمة إلهية عظيمة، لكن أيكون هو أس الحكم وقطب التفضيل عندنا؟ المفترض أن لا.
ثم إذا وسّعنا دائرة النظر يتخيل إلينا الأمر أكبر من ذلك، التفاضل سنة إلهية قائمة في جميع المخلوقات، الملائكة: أفضلهم جبريل عليه السلام، وهناك ملك الموت ومن معه من الرسل، كذلك حملة العرش وخزنة الجنة والنار وغيرهم، فإن تركنا عالم الغيب إلى الشهادة، نجد الكتب: خاتمها والمهيمن عليها القرآن المجيد، والرسل: النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، وأولي العزم من الرسل. وإن تركنا عالم الشريعة إلى عالم الطبيعة، نرى مخلوقات فُضلت على غيرها، كما هو معلوم مثلا من السلسلة الغذائية في النباتات والحيوانات، كذا بعض النظريات –على ما فيها- من ادعائها أن البقاء للأقوى والأفضل، ثم انظر إلى السماء وما تحويه من عوالم، وهكذا.
لكن ما يعنيني هنا: الأيام.. رأس مالنا وعداد حياتنا، كيف تتفاضل عندنا؟ تتفاضل حسب خلوها من الأشغال والأعمال مثلا؟! فمن منا لا يحب يوم الإجازة ليجلس مع أسرته أو يقابل أصحابه؟ أو لعلها تتفاوت عندنا بما نحققه فيها من إنجازات؟ ما شعورك يوم تخرجك من الكلية أو يوم ترقيتك في عملك؟ وبعضنا يفاضل بينها بما هو ملازم لها من حر أو برد أو رياح أو شمس.. وغير ذلك من معايير التفاضل.
قال ابن عاشور: "تفاضل الأيام لا يكون بمقادير أزمنتها ولا بما يحدث فيها من حر أو برد، أو مطر، ولا بطولها أو بقصرها؛ فإن تلك الأحوال غير معتدٍّ بها عند الله تعالى؛ ولكن الله يعبأ بما يحصل من الصلاح للناس أفرادا وجماعات وما يعين على الحق والخير ونشر الدين".
هذا هو المعيار الحقيقي إذا، المعيار الإلهي، المعيار الذي جعل أول عشر ليال من شهر عربي هو ذو الحجة أفضل أيام الدنيا، بل قد أقسم بها سبحانه {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ}، المعيار الذي جعل العمل الصالح فيها من أحب الأعمال عند الله حتى من الجهاد سنام الإسلام، كما في الحديث الصحيح: (ما مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ، يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ).
فاضبط معاييرك واستبشر وتجهز لهذه الأيام العظيمة..
|