|
منذ تولي فلاديمير بوتن زمام الحكم في روسيا وهدفه الأول هو إعادتها كقوة مؤثرة في الساحة الدولية، واسترجاع المجد السوفييتي الذي تربى في كنفه. فشخصية بوتن لعبت دورا كبيرا في رسم السياسة الداخلية والخارجية لروسيا رغم أنه خريج كلية الحقوق بجامعة “لينينغراد”، إلاّ أنه اشتغل مجنّدا بجهاز المخابرات السوفييتي، وترأس جهاز الاستخبارات الروسي الجديد في عهد الرئيس “بوريس يلتسن” فرئيسا للوزراء ثم رئيسا لروسيا الاتحادية. تمكن بوتين من تثبيت أقدامه على الصعيد الداخلي بالقضاء على الجريمة المنظمة وإنهاء الحرب في الشيشان وتنصيب رئيس موالي لروسيا، الأمر الذي أعطاه قابلية للمزيد من التحكم والاستمرار في الحكم لمدة أطول.
الأزمة الأوكرانية ليست هي المشكلة الأولى التي سيواجهها بوتين لكنها قد تكون الأخطر لا محالة لاعتبارات عديدة، فروسيا بغزوها لأوكرانيا تكون قد قامت بخرق سافر لميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية الفقرة الرابعة والتي تمنع منعا كليا استعمال القوة أو التهديد باستعمالها في العلاقات بين الدول، وهو الأمر الذي تعلمه روسيا جيدا لكونها من الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن والمتمتعين بحق النقض الفيتو.
إنّ ما شجع روسيا على القيام بهذا العدوان ضد أوكرانيا هو خبرتها في المواجهة مع الدول الغربية، والتي أبانت عن تخليها عن حلفائها خصوصا إن تعلق الأمر بمصالحها الخاصة، حيث سبق لها التخلي عن جورجيا في مواجهتها مع روسيا بعد أن قامت وزيرة الخارجية الأمريكية “كونداليزا رايس” بتشجيع الرئيس الجورجي “ساكاشفيلي” على ضم منطقتي “أوسيتيا الجنوبية” و”أبخازيا” الانفصاليتين، وإعطائه وعود بالانضمام إلى حلف الشمال الأطلسي إلاّ أنّ رد الفعل الروسي كان صارما وقاسيا بإعلان الاعتراف باستقلال الإقليمين والتدخل عسكريا، بل استمرت روسيا في سياستها التوسعية غربا وضمّت شبه جزيرة القرم الأوكرانية سنة 2014 فيما اكتفت الدول الغربية بالتنديد والشّجب.
كذلك من الأسباب التي شجّعت روسيا على اتخاذ قرارها الاعتراف بالإقليمين الأوكرانيين “لوغانسك” ودونيتسك”، هو الانقسام الذي تعرفه دول أوروبا الغربية خصوصا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتصدّع الذي يعرفه حلف الشمال الأطلسي بعد الأزمة الفرنسية الأمريكية حول قضية صفقة الغواصات الأسترالية وإنشاء حلف أمريكي بريطاني أسترالي سمي بحلف “أوكوس”. لكن هناك حسابات أعمق ممّا سبق ذكره أولها أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تشعر بالعبء بتحملها مسؤولية المظلة الحامية لأوروبا، بالإضافة إلى اختلاف التهديدات التي يعتبرها كل طرف خطرا مستقبليا على مصالحه القومية. فإن كانت دول أوروبا الغربية تعتبر روسيا التهديد الأكبر والأخطر عليها، فالولايات المتحدة الأمريكية لازالت تعتبر الخطر الصيني هو التهديد الحقيقي الذي يريد إزاحتها عن عرش ريادة العالم.
أمّا السيناريو الآخر فهو استمرار الحملة العسكرية لأسابيع وإعلان بوتين أنها حققت أهدافها مع الاحتفاظ بالإقليمين تحت الوصاية الروسية، وذلك مع تزايد الضغط الشعبي الروسي ضد هذا التدخل العسكري. أمّا احتمال نشوب حرب مباشرة بين الناتو وروسيا فهو أمر مستبعد إلى حد كبير فالدول الغربية غير مستعدّة لتضحية من هذا الحجم.
المصادر محمد الخلوقي، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية جامعة القاضي عياض مراكش.
|