|
في بداية الطريق، كانوا يسيرون كتفًا إلى كتف، تتشابه كلماتهم وتعلو وجوههم ملامح اليقين. ظنّ الناس أنهم صفٌّ واحد، وأن القلوب التي اجتمعت تحت راية الدعوة لا يمكن أن تتفرق.
ثم جاءت الأيام الثقيلة.
ضاقت الأرزاق، وكثرت التهم، وأُغلقت الأبواب في وجوههم، وصار الصادق يُطارَد كما يُطارَد المجرم. عندها فقط بدأ الصمت يكشف ما كانت تخفيه الضمائر.
فمنهم من ثبت، كان ينزف بصمت لكنه لا يبيع الطريق. كلما اشتد عليه الظلم ازداد صفاءً، كأن المحنة كانت تغسل قلبه من خوف الدنيا.
ومنهم من بدّل كلماته شيئًا فشيئًا، حتى صار يعتذر عن الحق بعد أن كان يصدح به، ثم انتهى به الأمر واقفًا في صفّ الذين كان يحذر منهم.
ومنهم من انكشف فجأة؛ لم يكن يومًا من القوم، بل كان بينهم بعينٍ تنقل الأخبار، وقلبٍ لا يعرف القضية إلا طريقًا لمصلحة. فلما هبّت العاصفة سقط القناع سريعًا.
ومرت السنون…
حتى لم يبقَ إلا القليل. وجوهٌ متعبة، لكنها مطمئنة. لا تحيط بهم الهتافات، ولا زينة الحشود، لكنهم كانوا الأصدق.
حينها فهموا أن الله لم يُبطئ النصر، بل كان يُنقّي الصف…
|