|
في صيف 1995، داخل مدينة سربرنيتسا التي أعلنتها الأمم المتحدة "منطقة آمنة"، تجمّع آلاف المدنيين البوسنيين بعدما أُمر المقاومون بتسليم أسلحتهم، في صفقة وُصفت يومها بأنها "طريق للسلام". أُلقيت البنادق أرضًا، وتبددت آخر بارقة حماية.
دخلت قوات الصرب المدينة بلا مقاومة تُذكر. في الساعات الأولى، طمأنوا الناس بأنهم سينقلونهم إلى أماكن آمنة. اصطف الرجال والشباب، وأُركبوا في حافلات. ابتسم بعض الجنود الصرب وهم يربتون على أكتاف الأطفال. لكن الحافلات لم تتجه نحو برّ الأمان، بل نحو الغابات والوديان… وهناك، بدأت المذبحة.
أُطلق الرصاص على المئات في لحظة واحدة، وجُمع آخرون في مستودعات أُغلقت عليهم قبل أن تنهال عليهم نيران الرشاشات. وفي بضعة أيام فقط، قُتل أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى، بينما تُركت النساء والأطفال مكسوري الأرواح، شهداء أحياء على خيانة اسمها: "السلام".
ذلك المشهد لم يكن مجرد جريمة عابرة، بل درسًا من الدم: حين يُسلب الشعب سلاحه، يصبح جسده عارياً أمام السكاكين، وتُمحى إنسانيته في لحظة صمت دولي.
واليوم، حين يُطرح السؤال في غزة: ماذا لو استسلمت المقاومة؟
فالجواب لا يحتاج خيالًا؛ يكفي أن نتذكر سربرنيتسا. الاستسلام لا يجلب حياة، بل يفتح أبواب مذابح أكبر. في غزة، المقاومة ليست مجرد خيار عسكري، بل صمام أمان يمنع تكرار مشهد الحافلات المحمّلة بالموت. فالشعوب التي تقاوم قد تُحاصر وتُقصف، لكنها تبقى حيّة. أما الشعوب التي تستسلم… فإنها تُمحى من الوجود.
|