|
مع صلاة الفجر، يفتح باب الدرس. لا وقت للراحة، فصفوف الطلبة تنتظره في الجامع الأخضر، مئات من الشباب القادمين من مدن وقرى بعيدة، وجدوا في العلم مأوى، وفي الشيخ موجّهًا ومربيًا في آنٍ واحد. من الفجر إلى منتصف النهار، لا ينقطع الصوت: شرح، سؤال، تصحيح، وبناء للعقل.
حين تميل الشمس إلى الزوال، يعود الدرس من جديد بعد الظهر، امتدادًا ليوم لا يعرف الفراغ. بين الفقه والحديث والتربية، كان يُعيد تشكيل وعي جيل كامل، ويزرع فكرة أن العلم مسؤولية لا عادة.
مع غروب الشمس، يتبدّل المشهد. مجلس التفسير ينعقد، والناس من العامة وطلبة العلم يجلسون في صمت. يفسّر القرآن لا ككلمات تُتلى فقط، بل كحياة تُفهم وتُبنى.
ثم يمتد الليل أكثر. بعد صلاة العشاء، ينتهي الدرس الأخير، لكن يومه لا ينتهي هنا. أوراق تنتظره، مقالات تُكتب، وصحافة تُشرف عليها مثل جريدتي الشهاب والبصائر، حيث تتحول الكلمة إلى معركة فكرية مفتوحة.
وفي أيام الخميس والجمعة، كان يترك قسنطينة خلفه، متنقلًا بين المدن والقرى، يحمل نفس الرسالة: تعليم، توعية، وإيقاظ للعقول.
لكن ما يجعل هذا اليوم أثقل من مجرد جدول مزدحم… أن هذا الجهد لم يكن معزولًا عن سياق أكبر. فقد كان إصلاح عبد الحميد بن باديس سابقًا لاندلاع ثورة التحرير الجزائرية، وممهّدًا لها في العمق.
فبينما كانت البنادق تُجهَّز لاحقًا، كان هو يُجهّز العقول أولًا، ويعيد بناء الهوية التي حاول الاستعمار الفرنسي طمسها.
كان يومه طويلًا… لكنه لم يكن يوم رجل، بل يوم مشروع كامل اسمه: بناء أمة، بدأت في الفكر قبل أن تظهر في الميدان.
|