|
في مطلع القرن الماضي، كان شابٌ نحيل الجسد، ضعيف السمع، يجلس في ركنٍ صغير من مكتبةٍ فقيرة بمدينة ساحلية هادئة. لم يكن يملك من الدنيا إلا قلمًا متهالكًا، ودفترًا يحرسه كأنّه كنز، وقلبًا مشتعلاً بحب العربية.
كان الناس يمرّون بجواره فلا يلتفتون؛ شابٌ صامت، لا يسمع ضجيج العالم، ولا يملك جاهًا ولا مالًا. لكن ما لم يدركه أحد آنذاك، أنّ هذا الصمت كان يختزن ثورةً من البيان لم تشهدها العربية منذ عصورها الأولى.
كان يكتب لساعات طويلة، يخطّ جملة ثم يعود إليها ويعيد صقلها كأنّه ينحت في الضوء. ومع كل صفحة، كان يربح معركة صغيرة مع ضعفه، ويؤسّس لنفسه مكانًا في ساحة الأدب لا يستطيع أحد أن ينتزعه منه.
وحين خرجت كلماته إلى الناس، لم يفاجأ سوى الذين رأوا شكله ولم يروا نبوغه؛ فقد اكتشفوا أن أقوى الأصوات قد يأتي من رجلٍ لا يسمع، وأنّ الأمة لا تُنهضها العضلات بل الأفكار، ولا تحفظ مجدها إلا الأقلام التي تُدافع عنها بصدق.
هكذا تحوّل الشاب الصامت إلى واحدٍ من أعمدة البيان العربي، وصارت كتبه تُقرأ كأنّها شُعلة توقظ الروح، وتذكّر القارئ بأنّ الضعف لا يهزم من عرف طريق المعنى.
|