|
في صباحٍ رماديّ من شتاء مزدحم، خرج سليم من بيته يحمل حقيبته على كتفه. كان ذهنه مثقلاً بامتحانٍ ينتظره في الجامعة، ووردية عملٍ في المساء، ومشاريع دعوية متراكمة تحتاج إعدادًا.
كلّ شيء في يومه كان يصرخ: “ليس في الوقت متّسع.”
في الحافلة المزدحمة، أغمض عينيه متعبًا، وتسللت إلى ذهنه خواطر كثيرة:
لماذا أرهق نفسي؟ أليس من حقي أن أستريح قليلًا؟
لكنّ قلبه أجابه بصمتٍ عميق، فيه نبرة يقينٍ لا تخطئها الروح:
الدعوة ليست عبئًا فوق الأعباء، إنها النور الذي يجعل للأعباء معنى.
حين وصل إلى الجامعة، انهمك في محاضرته، ثم أسرع بعد الظهر إلى عمله في المتجر، يتعامل مع الزبائن بابتسامةٍ يجهد أن يحافظ عليها رغم الإرهاق. وفي المساء، عاد إلى غرفته الصغيرة، فتح حاسوبه، وبدأ بإنجاز المهام الدعوية الأسبوعية. كانت عيناه ثقيلتين، لكن قلبه خفيف، كأن كلّ حرفٍ يكتبه يغسل عنه تعب اليوم.
وبينما تسكن المدينة في صمتها الليلي، كان سليم لا يزال يكتب. لم يكن يسعى إلى شهرةٍ أو مديح، بل إلى تلك الطمأنينة التي تأتي عندما يشعر المرء أنه يسير في طريقٍ لله، مهما كانت خطواته بطيئة ومتعبة.
تعلّم سليم مع الأيام أن الدعوة لا تنتظر الوقت الفارغ، بل تصنع وقتها وسط الزحام. وأن من توكل على الله، أعانه الله على أن يجمع بين همّ دراسته، ولقمة عيشه، وهمّ الدعوة الذي لا يهدأ. لقد أدرك أن التعب سنة الحياة، لكنّ أجمل التعب هو ذلك الذي يترك في القلب نورًا، وفي الطريق أثرًا.
|