|
ما زلتُ أتذكّر تلك الليلة، عندما سمعت قصة الرجل الذي قتل مائة نفس، لأول مرة في حياتي، في تلك الليلة لم يكن النوم ليتسلل لعينيّ، وأنا أتفكر في قصة الرجل، إنه رجل عاش في مجتمع مظلم فاسد، يدفعه إلى أن يكون في الظلام معهم، غير أن قلبه أبى إلا أن يُلهم صاحبه إلى الهدى ولو بعد حين، فما زال بصاحبه حتى دفعه إلى أهل الصلاح، ليسألهم:
كيف الخلاص من أفعاله؟ كيف النجاة بعد أن أساء؟ وهل لجرائمه من توبة؟
عندها، وجد العالِم الحكيم الذي عرف ربَّه، فعلم أن مع الله توبة، وأن في دين الله هداية، فأرشده العالم بكلمات قليلة ونصيحة بليغة:
"انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء."
نعم، نصيحة قد يجدها المستمع كلامًا بسيطًا وبديهيًا، لكنها في الحقيقة ثقيلة إذا وُضعت موضع التنفيذ، فهو سيتخلى عن أهله وأرضه، فقط لله، يسير إلى قومٍ جدد، صلته الوحيدة بهم أنهم مع الله.
الأمر لم يكن سهلًا، بل اختبارًا حقيقيًا، الفائز فيه هو من كسر كل قيد يربطه بالفساد والظلام، وانطلق، رغم صعوبة المسير، إلى الله. فلمّا همّ بالرحيل، وبلغ نصف الطريق، إذا بالأجل يأتيه.
حقيقته الآن: أنه إنسان عاصٍ، قاتل، مفسد، جمع أسوأ ما في الدنيا من أفعال. لكنه صدق في توبته، صدق في عبوديته لربه، فترك المعاصي والآثام وراءه، وخرج متجهًا إلى الله وحده. فأبى الله إلا أن يتوب على عبده، ويدخله فسيح جنانه.
يا لها من قصة عظيمة، تدفع للعمل، تذكرنا بقول الله سبحانه {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فلا يهم متى نبدأ، المهم أن نبدأ، وأن نتخذ قرار التوبة مهما بلغت قسوته، فلنجعل من هذا الرجل قدوة، ومن حديث رسول الله ﷺ منارة، فلنَصْدُق في المسير، وإلا بقينا في زمن الظلام، وفي مجتمع الفساد، فلنكن رجال الأمة، عسى الله أن يكتب لنا حمل راية الإسلام.
قلم: علي الخطيب
|