|
في ليلةٍ بدت لمكةَ كسائر الليالي، كان التاريخ يستعدّ لأن يطوي صفحةً ويفتح أخرى. خرج رجلٌ وصاحبُه في ظلمة الليل، يحملان من اليقين ما يملأ الآفاق. كانت قريشٌ تُحكم الحصار، وكانت الطرق تضيق، وكانت العيون تترقّب؛ غير أنّ يدَ العناية كانت ترسم طريقًا لا تراه الأبصار.
ومن بين صخور الغار ووحشة الصحراء وحرارة المطاردة، وُلدت مرحلةٌ جديدةٌ من عمر الإسلام. لم تكن الهجرة انتقالًا من مكانٍ إلى مكان، بل كانت انتقالًا من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الضيق إلى السعة، ومن الألم إلى الأمل.
وفي هذه الرحلة الخالدة تتجلّى حقيقةٌ عظيمة؛ أن رسول الله ﷺ لم يكن قائدًا يأمر الناس من بعيد، بل كان سابقَهم إلى كل خير، متقدّمَهم في كل تضحية. فما دعا إلى أمرٍ إلا كان أول العاملين به، ولا فتح بابًا من أبواب الخير إلا كان أول الداخلين منه.
|